التساؤل – كطريق جديد نحو الحقيقة
التساؤل – كطريق جديد نحو الحقيقة

شكرا على الصورة :لبنى عبدالعزيز 🙂
 
 
يقال أن الفلسفة تبدأ بالدهشة!
 
بأن تنظر لكل ما حولك بنظرة جديدة .. بأن ترى الأشياء العادية والمألوفة، كما لو كانت أشياءا غريبة علينا تماماً، بأن حدوثها في حياتنا هو في الواقع معجزة حقيقية تحدث كل يوم .. وكذلك تلك الأمور الغريبة التي كنت تظن أنها غير مفهومة، تندهش عندما تشعر كما لو كانت مألوفة جداً وعادية .. فالدهشة نوع من أنواع اليقظة!
 
وبعيداً عن الفلسفة والفلاسفة، هذه اليقظة بشكل عام هي ما تميز الإنسان .. فيلسوفاً كان، أو فنان، أو أديب، أو عالِم .. أو أي شخص كان .. هذه اليقظة والالتفات لمعاني الأشياء من حولنا، هي ما تميزنا نحن بشكل عام.
 
لماذا!؟
 
لأننا لسنا كأي موجود آخر في هذا العالم لا يقلقه السعي إلى معرفة الأسباب! وجودنا ليس وجوداً عادياً لا نلقي فيه بالاً لأي شيء يحيط بنا! بل على العكس!! الكثير من الأشياء تهزنا، وتدهشنا، وتحاول إيقاظنا! وفي الواقع، كثير من هذه الأشياء التي نلتفت إليها لا تكون ضرورية لبقائنا على قيد الحياة، أي أنها ليست من أساسيات الحياة، فنعلل اهتمامنا بها لأنها كذلك .. وإنما بالرغم من أنها ليست ضرورية لبقائنا، إلا أننا ننفعل معها بشكل كبير، ولا نتوقف عندها فقط، بل نذهب ونحاول معرفتها وفهمها.
 
مـمـمـمـمـمــ إذاً نحن نفعل هذا لنفهم!
 
إذاً الدهشة هي تساؤل دائم للفهم بشكل أعمق، والإنسان في تساؤل دائم، عن كل شيء! من أين أتينا؟ لماذا أتينا؟ كيف ينتهي أجلنا؟ إلى أين نذهب بعد كل هذا؟ ما هي حقيقة الموت أصلاً؟ وبعض تلك التساؤلات التي تطرأ، تكون عميقة جداً .. مثل ما هي الحقيقة؟ وما هو الخطأ؟ ما مصير الإنسانية كلها في نهاية المطاف؟ وما مصير العالم؟ كيف نتصور وجود خالق لهذا العالم؟ وما علاقتنا به، وعلاقته بنا؟
 
مجرد حدث صغير ينفض الغبار عن عقولنا، كافٍ لأن يطلق مجموعة من مثل تلك الأسئلة
 
ونحن لا نفعل هذا لكي نبدو بأننا مختلفين عن الآخرين، أو لكي يقال عنا أننا ’’لسنا كالبقية!‘‘ .. بل نفعل هذا، لأن جانب جديد ظهر أمامنا نريد فهمه، جانب مختلف عن تلك الجوانب التي اعتدناها .. أدهشنا هذا الجانب الجديد .. فبدأ التساؤل!
 

ماذا يأتي بعد التساؤل ؟

 
الدهشة والتساؤل ليسا البداية فحسب، أو نعتبرهما مجرد تمهيد لشيء آخر يتلوها .. هي مبدأ وجوهر ثابت .. قوة تستمر في دفع الإنسان، وتظل معه في سعيه نحو الحكمة وفهم الأشياء والتفكر في كل ما حوله، وما وراء ذلك أيضاً.
 
يقال أن الحكمة يمكن اعتبارها الشيء الوحيد الذي يطلب لذاته .. بأن باقي الأشياء المختلفة نطلبها لنستعملها في الوصول إلى شيء آخر أكبر منها .. أما الحكمة فهي بطبيعتها نكتفي بها فقط! ولا نستطيع امتلاكها كلها .. لذلك تظل ممتنعة، ونظل نحن البشر نطلبها دون الوصول إلى الحد التام وامتلاكها بالكامل.
 
يعني باختصار:
نحن لا يمكنن معرفة كل شيء على الوجه التام .. وإلا لما أدهشنا شيء أصلاً! لذلك سنستمر في محاولة أن نفهم أكثر ونعرف الأمور بشكل أعمق .. ولهذا ستظل هذه الأسئلة موجودة معنا، ما دمنا على طريق البحث.
 
يعني لنفكر قليلاً في هذا بجدية .. ألا نجد أننا أكثر سعادة عندما نبحث عن الحقيقة؟ هناك في داخل كل واحد منا، ألسنا بطريقة ما، نسعى وراء التساؤل بحد ذاته!؟ ألسنا في نهاية المطاف مدمنين على الاستكشاف، ونخاف الوصول إلى نقطة نهاية، تنتهي فيها رحلة البحث ومتعة الاستكشاف .. وإلا فلماذا فكرة اللانهاية فكرة جذابة جداً ومثيرة بالنسبة لنا!؟
 
إذاً
 

الموضوع ليس بخصوص الإجابات .. وإنما بطرح أسئلة أفضل

 

التساؤل والدين

 
شيء طبيعي أن يشعر أغلبنا – وأنا من هذه الأغلبية – بشيء من عدم الفهم حول علاقة هذا التساؤل الذي تحدثنا عنه بالدين .. بأنه يبدو أن هناك تعارض بين اليقين والإيمان وبين التساؤل!
 
ولأنني لست على درجة من الثقة والعلم للتحدث عن هذا الموضوع، فكل ما سيكون في الأسفل هو مأخوذ من كتاب البوصلة القرآنية للدكتور أحمد خيري العمري (والذي بالتأكيد أشجع على قراءته)!
 
للوهلة الأولى سيبدو غريباً جداً أن نتصور أن ديناً ما يبدأ بطرح التساؤلات .. فبشكل ما، أصبح معروفاً لدى الجميع أن الفلسفة هي للأسئلة والأرق والتفكير، أما الدين فهو للنوم المطمئن الهادئ .. أو ربما هكذا أُريدت صياغته من قبل مؤسسات تقليدية أرادت دعم مثل هذه النظرة للدين، وفعلت ذلك بتأويلات محرفة عملت على ترسيخها بشتى الوسائل.
 
مؤسسات تقليدية جامدة، لم تكن ترى تعايشاً لها مع مفهوم حيوي للدين، مفهوم يحرّك العقل ويستفزه .. مفهوم حيوي لا تعود هذه الأسئلة تلعب دور حقنة المخدر، بأن يأتي أجوبة مسكتة تنهي دور التساؤل وخلاص! وإنما هذا المفهوم يحاول أن يستثمر هذه الأسئلة في طريقة تفكير جديدة، تواجه الآلام وتعالجها، وتدعو إلى الانفتاح نحو كل الجهات، وتلبس في الوقت نفسه رداء العقيدة الدينية .. دون ضمادات أو مسكنات!
 
لنتحدث إبراهيم كمثال .. أبو الأنبياء .. أبو التساؤلات
 
في تلك (الليلة البداية) ، تلك الليلة الطويلة التي لم يكن الحوار فيها حواراً عادياً يتقلب بين المفاهيم السائدة .. إنما كان شيئا أكبر، شيء يصل إلى عمق الوعي الإنساني والتجربة البشرية .. التجربة البشرية في البحث عن حقيقة كل الحقائق، البحث المباشر عن إله كل شيء.
 
رفض كل المسلمات والبدهيات التقليدية، والبدء من جديد، من نقطة جديدة .. نحو هدف جديد، وبأساليب مختلفة غير تقليدية. البدء في التساؤل المطلق أمام الحقائق الكونية، ورفض القبول المسبق الخالي من البحث والفهم.
 
ذلك الحوار الذي دار بين إبراهيم وأبيه أولاً، وبين إبراهيم والكون ثانياً، ثم بينه وبين نفسه ثالثاً! ثالوث تقلّب فيه حتى الصباح! يتقلب بتساؤلات عميقة عن معتقدات كانت شديدة الإنتشار عند تلك الأقوام وقتها! لم تكن اعتباطية! وإنما معبودات مثل الزهرة والقمر والشمس كانت شائعة في كل أنحاء الأرض عبر التاريخ.
 
كانت ليلة مليئة بالتساؤل!
 
لذلك علاقة التساؤل بالإيمان ليست علاقة أولية تبدأ حتى تنتهي، السؤال هنا ليس إضاءة خاطفة تضيء الدرب لوهلة ثم تنتهي إلا الأبد. بل هي علاقة صميمية ومترابطة، ولا تنتهي بالوصول إلى يقين نهائي، يتحول ذلك اليقين النهائي مع الوقت إلى يقين ساذج متوارث.
 
على العكس مما هو متوقع من عقيدة دينية .. تقدم إبراهيم – أبو الأنبياء – بتساؤلات جديدة حتى ما بعد تلك الليلة، حيث لم تمنعه مكانته الجديدة التي تبوأها من أن يعلن صراحة عن حاجته إلى إعادة النظر، حتى يطمئن قلبه!
 
والتي وصل إليها أيضا بالسؤال.
 
ذلك التساؤل الذي يصبح جزءا من طبيعة التفكير ومنهج الحياة .. التساؤل الإيجابي الذي لا يقف عند دهاليز الحيرة، بل يعمل على تجاوزها كي لا تتحول إلى (لا أدرية) يضيع فيها الجهد والعمل.
 
التساؤل بهذا المعنى، قد يفتح باب اليقين النهائي، لا الضياع والإلحاد كما يحاول البعض أن يوهمنا.
 
وأقتبس أخيراً من نفس الكتاب:
 

كنز الإيمان ومفتاحه الأول: التساؤل .. الذي يجدد هذا الإيمان ويفتح له آفاقاً أوسع ومديات أرحب، قد يكون اليقين من بينها، لكنه يظل أبداً يقيناً متجدداً بالشك الذي يتفاعل معه ويفاعله، يظل يقيناً متصاعداً حيوياً فاعلاً .. ولولا الشك لتحول اليقين إلى مجرد موروث مكرس غبي ومليء بالضجر والرتابة.

 
في النهاية .. أتمنى أن تكون المقالة قد أعجبتك! وكالعادة .. يمكنك التعليق في الأسفل بأي فكرة أو رأي تحب/تحبين مشاركته مع الجميع .. أو حتى لو أردت فقط أن تقول (مرحبا!) يسعدنا دائماً قراءة التعليقات حول ما يُكتب هنا .. بجد! هذا يسعدنا كثيرا 🙂 سلاااام!!
 
 

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

10 من دروس مولانا جلال الدين الرومي الخالدة .. لتنمي معرفتك بنفسك إعرف أكثر 10 من دروس مولانا جلال الدين الرومي الخالدة .. لتنمي معرفتك بنفسك

في هذه المقالة تجد 10 من دروس مولانا جلال الدين الرومي الخالدة، المأخوذة من أشعاره .. أشعار أهل البحث والتعمق في أسرار النفوس، والتعرف على عميق الذات الإنسانية .. في محاولة الإجابة عن: من أنا؟ من أين أتيت، لم أتيت، وإلى أين

شارك في الحوار