الحسد | دراسة صغيرة متعمقة فيه .. وهل يمكن أن نستبدله بالسعادة!؟
الحسد | دراسة صغيرة متعمقة فيه .. وهل يمكن أن نستبدله بالسعادة!؟

هل حدث وأن سمعت مرة خبر أن شخصا ما تعرفه قد حقق إنجازا معينا كنت أنت نفسك تسعى بحرقة لتحقيقه، أو تحقيق شيء قريب منه؟ وفي تلك اللحظة بالذات .. هل شعرت بأنك لست سعيداً بالفعل بهذا النجاح؟ وإن كنت تظهر ذلك أمام الآخرين عبر تهنئتك وابتسامتك التي أرغمت نفسك عليها!

ثم تعود لنفسك في وقت لاحق بعد هذا .. لتسأل/لتسألي نفسك: هل حقاً أنا لا أحب الخير للآخرين؟ يعني حتى لو كنت متفقاً مع فكرة أن فرص النجاح ممكنة للجميع، وأن نجاح ذلك الشخص لن يؤثر على احتمالية نجاحي أنا أيضاً .. لكن لماذا ظهرت هذه المشاعر!!؟ وهل هي حقاً حسد أم شيء آخر؟ وكيف يمكن أن أميز بينها؟؟

أولاً، أحب أن أقول لك: !Join The Club

وثانياً، أننا في هذه المقالة سنحاول فهم هذه المشاعر أكثر، لكي لا نستمر في التهرب منها في كل مرة تأتي وتظهر فيها لنا، لأنه بصراحة لا توجد أي فائدة حقيقية مرجوة من المزيد من الهرب وعدم المواجهة! سنعرف كيف يمكن أن نستوعب مثل هذه المشاعر، وأن نفهمها، وأن نعي بهذا الجانب في أنفسنا لنحاول أن نتكامل .. وأن ننضج شخصياً أكثر! وبصدق!

الحسد

حَسَد (فعل) : أي تمنى أن تتحول إليه نعمته، أو أن يسلبها. ويُقال: حسده النعمة وحسده عليها [المعجم الوسيط]

وبما أن هناك الكثير من التشويش يحيط بالموضوع، ويتم في كثير من الأحيان خلطه في كوكتيل معقد مع العين والسحر وأحداث الحياة وغيرها من الأمور المبهمة التي تثير مخاوف كل من يسمع عنها .. لنبدأ إذاً في تعريف الحسد بشكل أوضح، لكي نستطيع وضع الحدود حول هذا المصطلح، لنقدر بعدها أن ندرك أن هذه المشاعر (التي نشعر بها الآن مثلاً) هي بالفعل حسد محض، أم أنها شيء آخر مختلف تماماً وقريبة لأن تكون منافسة لا حسد! .. هكذا تتضح الأمور أكثر معنا.

الحسد في الواقع – كما هو واضح في تعريفه اللغوي – يمكن أن نعرفه بأنه عبارة عن حالة نفسية داخلية للحاسد تجاه غيره، تجاه الأوضاع التي يتمتع بها الطرف الآخر .. أي أن الحسد كحسد هو وضع خاص بالشخص الحاسد ويأكله من الداخل، لا تأثير له على الآخرين كما هو منتشر في مجتمعنا بعلاقة مصطلح الحسد بالعين والتأثير في الآخرين وغيرها! .. أقول هذا فقط لكي نرتب الأمور ولا نخلط بينها .. الحسد هو موقف شخصي سلبي جداً لا ينطلق من مبدأ الفرح لفرح الآخرين! وإنما أقرب إلى الانطلاق من مبدأ التشفّي وتمني تغير الأوضاع للأسوأ، وحتى لو لم يعد ذلك على الحاسد بشيء!

الحسد يعرف طريقه فقط إلى أصحاب العقول الفارغة
– بندار، شاعر يوناني قديم

والحسد هو من أكثر الأشياء التي قل أن يعترف بها أصحابها حتى لأنفسهم، ويتم تغطية الموضوع وصرف النظر عنه بأي طريقة في سبيل تجنبه وعدم مواجهته مع الذات (لأنها بصراحة مشاعر من الصعب جداً الاعتراف بوجودها فينا!) … لهذا السبب بالضبط، إن مواجهة مثل هذه المشاعر تحتاج إلى شخص جاد بالفعل في استعداده للنضج الشخصي، والصدق والتصالح العميق مع الذات بكل وضوح!

لماذا المواجهة؟ وكيف؟

لأنه بصراحة، الحل لن يكون في مكان ما هناك في الخارج أبداً! فمثل هذه المشاعر الداخلية والعميقة جداً، يبدأ التعرف عليها ومحاولة التعامل معها بالعودة إلى الداخل، بمواجهة الذات، وبجلدها إن تطلب الأمر في بعض المواقف .. ومن هناك يبدأ كل شيء! ويبدأ وعيك يفرض سيطرته ومراقبته!

ولتعرف أن فعل شيء كهذا يكون مزعج جداً لكل واحد منا، ربما لأنه يدل بمعنى من المعاني أنك تمتلك في الحقيقية مثل هذه المشاعر السلبية .. مزعج وصعب لأنك لن تستطيع الهرب منها الآن بكل بساطة، ولن تقدر على محاولة إنكار وجودها! لذلك مواجهتك لها، ومحاولة تعرفك عليها يثبت وجودها بالفعل في داخلك!

1. انتبه إلى ظهور هذه المشاعر

عندما تنتبه إلى ظهور هذه المشاعر، خذ خطوة إلى الوراء للحظة – كما تحدثنا عن الموضوع في مقالة التيقّظ بشكل مفصل أكثر – وراقب هذه المشاعر كما تراقب أي شيء آخر خارجي تراه أمامك.

فقط لاحظ وراقب، ولا تحاول فوراً تفسيرها أو التبرير لنفسك بأسباب ظهورها، ثم تدخل في دوامة من أسباب ومبررات ومحاولات إنكار! لذلك فقط راقب من منطلق التعرّف عليها: تعرف على سبب ظهورها، كيف ظهرت في داخلك، ما الذي تفعله بك .. لتعرفها أكثر ولتستطع النظر بشكل مباشر إلى عيني حسدك الخاص دون تردد أو خوف.

هنا تمتلك قوة خاصة جداً .. في أخذ خطوة إلى الوراء من أي موقف يمر بك، لتراقب نفسك وتدرسها كما تدرس أو تراقب شيء آخر تماماً. أي أنك هنا لن تندمج بالموقف بشكل تام، وتصبح تفاعلاتك مجرد ردات فعل متوقعة! وإنما تعود من هذه الفاصلة التي أحدثتها، بوعي أكبر ونظرة للأمور أوسع بكثير.

2. تعرف على تفاعلك مع هذه المشاعر

لأن ظهور هذه المشاعر (الحسد) لابد وأن يترك آثاراً في حياتك .. في تضييق تفاعلاتك مع الآخرين، وفي منعك من الوصول إلى قيم إنسانية أعلى تتخطى الحدود الشخصية المحصورة جداً، وكذلك تمنعك من حمل نظرة واسعة ومنفتحة للحياة! تعرّف على هذه النتائج والآثار لتدرك متى ما شعرت بها، بأن الحسد كان سبباً رئيسياً لها!

الحسد بشكل عام يدل على عدم اتزان داخلي .. وأقصد بالحسد هنا هو ذلك الضيق الشخصي والحالة النفسية السلبية التي تكلمنا عنها. لا أقصد هنا الشعور بالمنافسة (أو ما يسمى بالغبطة) التي يشعر بها الجميع في كثير من مواقف الحياة، والتي تختلف عن الحسد بأنها تستطيع الانطلاق من مبدأ واسع جداً يمكنه تقبل الجميع! وتعرفك على الحسد بشكل جيد يساعد في التمييز بينه وبين هذا النوع من المنافسة .. تدريجياً تتوضح الأمور بشكل كبير!

3. تمرّن .. تمرّن .. Practice

فعلياً وحرفياً .. تمرن/تمرني على حب الخير للجميع، لأن التعويد عنصر مهم جداً في هذه المعادلة التي نتحدث عنها. لذلك، حتى وإن قمت بذلك وحدك في عقلك فقط .. تمرن على تمني الخير لكل من تراه في الشارع، تمنى لهم البركة فيما يملكون، اشعر بالفرح (غصباً عنك لو تطلب الأمر) لما يحققه البعض من إنجازات في حياتهم، وحتى لو شعرت بأنك تصطنع هذا! حاول أن تشعر بحق في أعماقك بأنك أجل تتمنى أن تمتلك شيء قريب لما يملكون، لكنك أيضاً إلى جانب هذا تتمنى بصدق أن يفرحوا ويسعدوا بما يمتلكون!

وتدريجياً ستبني هذه العقلية التي تشتغل تلقائياً بعدها مع كل موقف يواجهك في حياتك، أي – بمعنى آخر – تصبح أنت إلى جانب الخير المحض في هذا العالم .. كيفما وأينما ظهر .. تفرح به فقط لأنه ظهر ولأنه موجود بكل بساطة!

فالمنافسة موجودة موجودة هنا في هذا العالم! وسيشعر كل واحد منا بالمنافسة بينه وبين الآخرين (خاصة المساوون له) .. لكن يبقى لديك خيار الأسلوب الذي تريد اتخاذه في التعامل مع هذه المشاعر: هل هي الذهاب في دوامة كراهية تستمر في الدوران في كهف مظلم في داخلك، دون أن يقدم ذلك شيء حقيقي لك في نهاية المطاف؟ أم هي نظرة أعقل وأفسح، تقف دائماً إلى جانب الخير المحض والحب وتقبل الآخر؟

واجه الحسد بكل هدوء، انظر في عينيه مباشرة! وتحداه … اذهب لصديقك الذي نجح في أي شيء كان، وبالفعل افرح لفرحه، حتى لو حدث وظهرت لك بعض تلك المشاعر، هناك زر في داخلك، مجرد ما تنتبه إليه يمكنك تغيير موقفك تماماً في هذا الوضع 🙂 فقط خذ خطوة للوراء سريعة، ركّز على الزر الموجود، ثم ارجع إلى اللحظة التي تعيشها، واحتفل من كل قلبك بنجاحه .. فالحياة أجمل من أن يملؤها حـسـد فـارغ!

ختاماً، هذه المقالة تعرض شيء يمكن أن يكون خطوة لشيء أعلى بكثير؛ من التعامل الشفاف والواضح جداً مع أنفسنا .. من فهم هذه المشاعر التي تعصف بنا من وقت لآخر، وأن نتعرف عليها أكثر .. هو موقف شخصي يمكنك اتخاذه تجاه ما حولك، موقف للبقاء إلى جانب الخير المحض (هكذا أينما كان وكيفما وُجد) وهنا نربح جميعنا كبشر!

وختماً نهائياً للموضوع .. هو هذا الفيديو لـ عمر حسين .. الذي يعرض جانب آخر للحسد مختلف قليلاُ عن موضوع مقالتنا، لكن نتعامل معه بشكل متكرر في مجتماعتنا .. مشاهدة سعيدة!! ولا تنسوا مشاركة المقالة في حال أعجبتكم! هذا يمكن أن يساعد كثيراً!! وأيضا إذا أحببتم متابعة نشرتنا الشهرية من هنا.

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

Time-Lapse الأرض من الفضاء! إعرف أكثر Time-Lapse الأرض من الفضاء!

Time-Lapse الأرض من الفضاء .. من محطة الفضاء الدولية لـ NASA .. كارل ساغان ونقطته الزرقاء الشاحبة. الأرض يمكنها أن تكون بكل الأشكال التي تنظر بها إليها!

لماذا لم تنتحر حتى الآن؟ إعرف أكثر لماذا لم تنتحر حتى الآن؟

عندما أتحدث عن الإنتحار أنا لا أتحدث عن أمر غير موجود حولنا، أو فكرة غير مقبولة في مجتمعنا, أو أنها منطقة بعيدة ونعتقد بأننا بعيدون جداً عنها، بالعكس تماماً هي فكرة خجولة في عقول الكثير تكبر و تصغر لكنها تظل موجودة طوال

شارك في الحوار