الحكم على الآخرين | لماذا و كيف نغيره؟
الحكم على الآخرين | لماذا و كيف نغيره؟

شكرا على الصورة :Matthew Wiebe 🙂
 
 
بصراحة وإن كانت مزعجة قليلا، إن التسرع في الحكم على الآخرين موجود بشكل واضح بيننا في حياتنا اليومية .. أظن أن ذلك واضح بالنسبة لك .. أغلبنا يجد ذلك في نفسه أحيانا حيث يرى كيف يتصرف في مواقف معينة ويمارس اطلاق أحكامه على الآخرين من حوله، أنا عن نفسي لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي فعلت فيها ذلك! 😐
 
لكن ألا يحمل هذا خبرا جيدا مخفي فيه؛ أنه يمكننا فعلا أن نتعرف على هذه الأفكار عندما تخطر على بالنا، وأن نتعرف على أسبابها ولماذا أحيانا تخطر على بالنا حتى ولو رغما عنا، مما يجعلنا نشعر بشيء من اليأس أحيانا! ثم بعد تعرفنا على هذه الأفكار، يمكن لنا أن نجد طريقة ما نتخفف فيها قليلا من هذه المشاعر والأفكار أثناء تعاملنا مع بعضنا البعض وأن نفسح لمجال أوسع للتفهم والحب بدلا من اطلاق الأحكام وهذا التعامل المتوتر.
 
إذا فكرنا بالموضوع قليلا، قد نجد أن تكوين صورة مجملة من النظرة الأولى عن الشخص الذي نقابله ونتعامل معه قد تكون طبيعة بشرية موجودة في كل واحد فينا، لكن لماذا يجب أن تكون هذه الصورة سلبية أو منفرة عن ذلك الشخص الذي أمامنا دون سبب أو مقدمات حقيقية تدفعنا إلى ذلك الاعتقاد!؟ هل نحن فقط نحمل صور وآراء جاهزة لأي شخص نتعامل معه، نلصقها به قبل كل شيء ثم نتعامل معه وفقها!؟
 
هذه الأفكار النمطية ممكن أنها قد تراكمت عبر الكثير من السنوات والتجارب، ويمكن أيضا أنها تكونت بتأثير ما قد نسمعه أو نتلقاه من آراء مختلفة من حولنا، فنبني آراءنا وفقها. هذه الأفكار النمطية تجمع فئة كاملة من الأشخاص – ممكن أنهم تشاركوا في بعض الصفات – ثم تضعهم جميعا في خانة واحدة بأنهم جميعا مثل بعضهم البعض، وأن الفكرة التي كونّاها عنهم تنطبق هي نفسها على الجميع دون تمييز أو محاولة تفريق بين شخص وآخر.
 
هنا تكمن المشكلة! فهذه الأحكام والآراء أغلبها مبني على تجارب شخصية أو حتى آراء أخرى محدودة جدا تتسبب في فهم سلبي ومتسرع للآخر، لا يتيح له فرصة التعريف الحقيقي بنفسه .. طبعاً له أو لها.
 
أن تعطي الآخر فرصة .. أي أن تعطيه مجالاً أوسع، وأن تتمهل قليلا قبل التسرع في الحكم عليه، بأنه وإن أحسست في داخلك بشيء من هذه الأحكام تجاهه، ألا تتعامل معه مباشرة وفقها، بل تتمهل وتسمح له بفرصة ليتبرر فيها فعله أو تصرفه الذي قام به.
 
أعتقد أننا يجب أن نحاول التخفيف من هذه الأفكار التنميطية لسببين: أولا، لأنها تتعلق بتعاملنا مع أشخاص مثلنا تمام، لهم شخصياتهم الخاصة، فلا يحق لنا الحكم عليهم سطحياً بتسرع دون إعطائهم فرصة ليعرّفوا فيها عن أنفسهم .. ثانياً، يبدو أن الخيار الذي يعطي مجالا للآخر هو خيار أكثر منطقية و واقعية بدلاً من التسرع الذي يكون بلا دليل أو يكون مجرد تقليد رأي عام قد لا يعتمد على شيء.
 
أليس مثل هذه النظرة في تعاملنا مع بعضنا تعيننا على تصفية باطن كل منا؟ أن نتقبل ونتفهم بعضنا بشكل أعمق؟ أو أن يكون في هذه الحياة حب وسلام بدلا من التوتر والكراهية؟
 
الآن، مثل هذه العقلية التي نتعاملنا بها مع بعضنا يمكن أن نبنيها تدريجيا من خلال تجارب جديدة بيننا والآخرين، تكون هذه التجارب من منطلقات أخرى أكثر تفهما وأكثر جمالا كذلك. يمكنك تغيير هذه المنطلقات بعدة أمور، منها:
 

تفهم ظروف الآخرين

الظروف والأحداث التي نمر بها في حياتنا تختلف، وهذه الظروف تساهم بشكل كبير في تكوين انطباعاتنا وتصرفاتنا الشخصية. فمثلا، الظروف التي مرت بك والتي جعلتك لا تستحسن شيء معين، يمكن أنها لم تمر بالشخص الذي تتعامل معه، ولذلك قد لا يتوجب عليه ألا يستحسنها هو أيضا .. فعلينا أن نتفهم اختلافنا مع الآخرين أكثر، وأن نحاول دائما إعطائهم هذه الفسحة الخاصة بظروفهم؛ كي لا نندم بعدها بأن نظن فيهم ظنا ما، ثم يتبين لنا شيء من ظروفهم يجعلنا نندم (فعلا) على ما بدر منا.
 

ضع نفسك مكانه أو مكانها

في البداية يجب أن تعلم أن الادعاء القائل “بأنني لو كنت مكان ذلك الشخص لما فعلت كذا وأنني على العكس كنت سأختار الخيار الآخر” ضعيف جدا ولا يمكننا أبدا معرفة ذلك! لا يمكن لأي واحد منا أن يدعي ذلك بكل ثقة، فلو اختلفت الظروف وكان المدعي في مكان ذلك الشخص، لكان الموضوع مختلف (تفهم ما أقول) … لذلك يجب علينا أن نضع أنفسنا في مكان الآخرين بعمق أكثر وأن نحاول تفهم مواقفهم قدر الإمكان .. أن تضع نفسك مكانه، أي بمعنى أن تفكر في إمكانية أنك كنت لتفعل نفس فعله بالضبط لو كنت تمر بنفس ظروفه وموقفه .. هنا تقل حدة حكمك على ذلك الشخص وتبدأ بالفعل تفكر: ماذا لو كنت مكانه؟
 

حاول أن ترى الأشياء الجميلة

هنا .. بقدر ما تستطيع .. بقدر ما تملك من رغبة في التغيير، بقدر ما تريد البحث عن الحب في كل مكان .. حاول أن تبحث عن أي شيء جميل في أي شخص تراه. أبدي اعجابك باختيار الملابس، بالأناقة وإن كانت بسيطة، بالبساطة نفسها. قدم لهم المدح والثناء في داخلك، وتمنى لهم كل خير في يومهم وأن يكون يوم مميز .. هل يبدو ذلك غريبا! لم لا 🙂 هكذا تتعود على رؤية الأشياء الجميلة أكثر وأن تبدو لك وإن كانت بسيطة، بدلا من تتبع أي عثرة أو خطأ من أجل إثبات الحكم على ذلك الشخص وإلصاق الصفة به ’’لأنه هو كذلك‘‘
 
أتذكر في أحد الأيام كنت في النادي، وأتذكر أنني كنت على جهاز الركض وكانت أمامه نافذة أرى من خلالها من يمر في الشارع بعد قليل من الوقت لاحظت نفسي أنني تقريبا أصدر أحكاما وأرى عيوبا في كل شخص تقريبا يمر في الشارع! شعرت بضيق من كل هذا التوتر الذي كنت فيه من حكمي على كل هؤلاء الأشخاص .. تعبت بحق .. فقرر بكل بساطة أن أقابل هذه العادة بشيء مختلف تماما، كنت عندما أرى أي شخص يمر في الشارع أعبر عن إعجابي له، وحاولت أن ألاحظ الأشياء الجميلة فيه بكل صدق (بمعنى ألا أمثل على نفسي) .. وكان أن أحسست بشعور آخر بالتأكيد أجمل من الأول وبكثييير!
 

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
– الإمام الشافعي

 
لأكون واضح معك، ليس الهدف هنا إلغاء هذه الأفكار والأحكام المسبقة تماما، لأنها سوف تظل تطل برأسها بشكل ما، فلا يجب أن تشعر بالإحباط إذا ما عاودت هذه الخواطر بالظهور لكنني أعتقد أن تبنّي مثل هذه الأفكار التي تحدثنا عنها يساعدك أكثر في عدم الارتياح إلى تلك الخواطر السلبية، وفي ألا تسمح لها بأن تؤثر سلبيا على تعاملك مع الآخرين دون أي مبرر أتمنى ذلك.
 
شاركنا في التعليق بالأسفل بما تراه قد يساعد في التخفيف من هذا الحكم على الآخرين ، وعلى تعاملاتنا فيما بيننا .. وكيف لنا أن نتجاوزها وأن نتعامل مع بعضنا على أسس أكثر تفهم وتقبل؟؟

صورة الحساب الشخصي لـ أسامة نعمان

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

شارك في الحوار