المرونة العقلية .. عقلك خلق لينمو، وليستمر في ذلك!
المرونة العقلية .. عقلك خلق لينمو، وليستمر في ذلك!

 
 
هل تجد نفسك بلا قوة أمام بعض الجوانب من حياتك التي لا تستطيع تغييرها، مهما كنت تريد ذلك، إلا أنك تشعر أحيانا أن الموضوع أكبر منك، وأنك لا تستطيع أي شيء أمام كل ذلك؟ ربما قد تشعر أن هذا الشيء لا يمكن تغييره فيك، أنه هو هكذا!
 
لكن هل هذا صحيح؟ هل كل شيء موجود الآن وتعودناه لا يمكن تغييره؟
 
قد يبدو أن العقل البشري يصل إلى مرحلة ما من بعد الطفولة ينتهي فيها عن النمو، يصبح كل شيء جامد وغير قابل للتغيير .. بما أن مرحلة نموه وتكونه أثناء الطفولة انتهت. وهذا بالفعل كان اعتقاد الأطباء حول العقل حتى وقت قريب جدا، بأن العقل الذي يتكون من 100 بليون خلية عصبية، يصل إلى حد معين من التركيب والنمو، ثم يتوقف ليكون كصخرة جامدة لا يتغير فيها أي شيء.
 
إلا أن هذا المفهوم تغير كليا مع ظهور مصطلح: المرونة العقلية – Neuroplasticity

وهي قدرة العقل البشري على إعادة تشكيل نفسه، عبر تكوين وصلات عصبية جديدة خلال فترة الحياة. هذه الخاصية في الدماغ تسمح للخليات العصبية في تكوين مسارات وروابط جديدة تتأقلم مع أي وضع جديد يواجهه الشخص أو تغير في البيئة التي اعتادها.

 
العقل يمكنه أن يتغير، المادة الرمادية المحيطة به يمكن أن تزداد سماكة أو تقل، المسارات العصبية يمكن أن تنشأ أو تختفي، أن تضعف وأن تقوى .. لذلك العلاقة بين ما نفعله وبين عقولنا علاقة تبادلية، الأفعال والعادات الجديدة يمكنها بناء علاقات ومسارات عصبية جديدة في أدمغتنا، وكذلك هذه العلاقات الجديدة لها تأثير فيما نقوم به.
 

كيف يمكن أن نستفيد من المرونة العقلية ؟

قد يتبادر للذهن أن هذا شيء عادي، وأن هذه خاصية أخرى من خصائص العقل، التي قد تكون لها علاقة بالطب وعلاج الأمراض … وهذا الكلام صحيح لأن هذا الاكتشاف للمرونة العقلية ساعد في التعامل مع العديد من الأمراض والإصابات التي تصيب الدماغ .. لكن هناك صلة لهذا الاكتشاف بحياتنا اليومية، له علاقة بنا نحن شخصيا .. يمكننا الاستفادة منها بشكل ما.
 
عقولنا دائمة التغير … وما نعرّض أدمغتنا له بشكل مستمر، يؤثر عليها بطريقة ملحوظة، وذلك بالتأكيد له التأثير الكبير على حياتنا فيما بعد .. ما تفكر فيه الآن، كيف تفكر فيه، طريقتك في التحدث مع نفسك، وطريقة في رؤية الأشخاص والأشياء والأوضاع من حولك، تساهم في بناء عقلك (و بيولوجيا أتحدث هنا) .. دماغك يتغير بحسب ما يتعرض له سواء منك أو من البيئة من حولك ويستمر في محاولة التأقلم مع هذه الأشياء من حوله.

“التفاصيل معقدة، لكن الفكرة الأساسية بسيطة: الطريقة التي تستخدم فيها عقلك، تغير دماغك للأفضل أو للأسوأ” – Rick Hanson

من هنا يمكننا اختراق هذا النظام لبناء وإعادة تشكيل عقولنا بطريقة تتناسب مع ما نريده لاحقا في حياتنا .. خاصة بالنسبة للعادات التي نقوم بها يوميا وبشكل مستمر بلاوعي تقريبا، وقد تكلمنا بشكل أكبر في T.E عن العلاقة بين العقل والعادات في المقالة السابقة: كيف تبدأ عادة جديدة .. وأن تستمر فيها فعليا؟
 
كما قال ماهاتما غاندي:

معتقداتك تصبح أفكارك،
أفكارك تصبح كلماتك،
كلماتك تصبح أفعالك،
أفعالك تصبح عاداتك،
عاداتك تصبح قيمك،
قيمك تصبح قدرك.

 

انضم إلى عائلة TrueEnsan
سجّل

 

إذاً ما الذي يمكن فعله لتنمية هذه القدرة في أدمغتنا؟

في هذه المقالة سأذكر ثلاث نقاط يمكن لأي واحد منا أن يركز عليها في حياته، ويقوم بها من اليوم:
 

أسلوب الحياة

بشكل عام، إن تجربة أي شيء جديد يشكل تحدي لعقلك ليتجاوب مع هذا الوضع الجديد، ليتأقلم معه. أي خبرة جديدة (مهما كانت) تشكل هذا النوع من التحدي .. تعلم مهارة جديدة كنت تريد تعلمها (حاول فقط .. وهناك اليوتيوب موجود) .. ممكن لغة جديدة؟ .. ويمكنك التفكير بأي شيء جديد عليك كلياً كنشاط اجتماعي لم تكن قد جربته من قبل، أو بيئة جديدة لست معتاداً عليها .. استمر في تحدي عقلك واخضاعه لتجارب جديدة !
 
خُض/خوضي تجاربك الخاصة من قلبك وعش التجربة بصدق .. هكذا تكون الحياة أجمل .. وهكذا عقلك سيتغير (حرفيا) ليتلاءم مع نمط الحياة الجديد هذا!
 

الرياضة

وُجد أن التمارين الرياضية مهمة بقدر التمارين العقلية عندما نتكلم عن صحة الدماغ .. الرياضة تحفز الخلايا العصبية على افراز معامل نمو (اسمه باختصار هو BDNF) هذا المعامل يحفز العديد من المواد الكيميائية التي تؤثر في صحة الدماغ. أحد الدراسات طويلة المدى تقول بأنه من كان يتمرن من الأشخاص الذين تمت دراستهم، كانوا يعطوا نتائج تشير إلى زيادة سعة مركز الذاكرة لديهم بـ 1% إلى 2% كل عام!
 

التغذية

أدمغتنا تتكون تقريبا من 60% دهون .. لذلك الدهون المناسبة شيء مهم لدماغ صحي .. دهون مثل omega-3 الموجود في الأسماك وزيوتها وكذلك في زيوت بعض النباتات .. فيتامين D المعروفة أهميته، وكذلك مادة الكولين الموجودة في البيض واللحوم مهمان ويلعبان أدوارا مهمة جدا داخل أدمغتنا .. هناك أغذية أخرى طبعاً مهمة جدا وضرورية (ولا أستطيع ذكرها كلها هنا) لكن بالتدريج تكتشفها بنفسك 🙂
 
أخيراً .. التعلم ليس مجرد معلومة تتلقها من أي مكان ثم تعمل بها، بل هو مختلف وأعمق بكثير؛ إن أي شيء يضاف إليك الآن يتشابك بطريقة ما مع كل شيء، ليمنحك طريقة جديدة تنظر فيها لما حولك، ويؤثر على طريق الحياة الذي تسلكه .. عقلك خلق لينمو .. وليستمر في النمو .. اختر كيف وعلى ماذا تنميه.

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

صورتنا الذاتية لأنفسنا | كيف أصبحنا نقارن أنفسنا بمعايير مستحيلة!؟ إعرف أكثر صورتنا الذاتية لأنفسنا | كيف أصبحنا نقارن أنفسنا بمعايير مستحيلة!؟

حسناً .. جميعنا يعرف أن هناك توجّه معين ينظر إلى الإعلام كما لو كانت لديه خطة معينة طويلة الأمد، يسير عليها تدريجياً بهدف تشويش صورتنا الذاتية لأنفسنا، وزيادة حدة مشاعرنا بعدم الثقة .. خطة لكي نسعى نحو الوجهات التي يحددها

كلمة السر: التيقّظ! إعرف أكثر كلمة السر: التيقّظ!

هل نحن حقا واعيين بأنفسنا خلال أيامنا؟ وهل ما نقوم به فعلا نابع من قراراتنا حقا أم هو أقرب لأن يكون مجرد ردة فعل أوتوماتيكية؟ هذه المقالة تتحدث عن التيقّظ أو mindfulness وفيها ما يمكن أن يجيب على تلك الأسئلة السابقة.

معنى الحياة .. من تجربة فيكتور فرانكل في المعسكرات النازية – جزء 2/2 إعرف أكثر معنى الحياة .. من تجربة فيكتور فرانكل في المعسكرات النازية – جزء 2/2

السؤال عن معنى الحياة (هكذا بشكل عام!) يشبه سؤال لاعب شطرنج محترف عن أفضل حركة شطرنج في العالم .. الجواب هو: لا يوجد شيء مثل هذا! لا يوجد "أفضل حركة" هكذا وحدها هناك في الخارج، تبحث عنها وتتعلمها، ثم تصبح أفضل لاعب شطرنج في

شارك في الحوار