تزكية النفس 101 | #2 الكبر و التكبر
تزكية النفس 101 | #2 الكبر و التكبر

شكراً على الرسمة :محمود سليمان 🙂


هذه المقالة عن التكبر ، وهي تكملة على مقالة المقدمة في تزكية النفس (يُفضل قراءتها قبل هذه المقالة من أجل التسلسل)، وسنتكلم في هذه المقالة عن التكبر كصفة لا يخلو منها أي واحد منا، باختلاف درجاتها، وسنتحدث عن كيف أن هذه الصفة تقف حاجز أمام إنسانيتنا! وكيف يمكن أن نعمل على التخفف منها بالتدريج.

لنبدأ بالكلام قليلاً عن الأنا / الـEGO، والمقصود بها هي ذلك الجانب من نفسك الذي تظن أنه أنت! أي المفهوم الشامل الذي كنت قد كونته عن نفسك، وكل شيء يظهر في ذهنك – بوعي أو بدون وعي – عندما تتساءل من أنا؟

حتى الآن لا توجد أي مشكلة في هذا الكلام. لكن المشكلة هي عندما نقتصر على هذه الصور التي كوناها عن أنفسنا، ونستخلص منها مفهوم تام ومغلق عن أنفسنا، هي مشكلة لأن أغلب ما نستخلص من هذه المفاهيم يكون أشياء خارجية (تقع في الخارج منا) كلقب معين، أو مهنة، أو مكانة اجتماعية، أو دور تلعبه في الأسرة، أو تخصص معين أنت فيه .. ويكون هذا هو أنت!

وهذا مفهوم قاصر جداً يمكن أن نحمله عن أنفسنا! ونحن نفعل ذلك ولسنين .. وهذه الأنا المتكونة تقف عتبة أمام بلوغ مستويات أعلى من الإنسانية والوعي! لأنها تكون متزعزعة جداً للحفاظ على وجودها عندما تريد فعل شيء ما جديد ليطوّرها، ليجعلها أعمق!

وتحْسَب أنّك جِرمٌ صغيرٌ
وفيك انطَوَى العالمُ الأكبرُ

حسناً، موضوعنا اليوم هو عن التكبر، آفة الباطن رقم #1 التي سنتحدث عنها في مقالاتنا عن تزكية النفوس .. الكِبْر لغة هو: العَظَمَة والتّجَبُّر [المعجم الوسيط] .. ويمكننا القول أن ينقسم إلى قسمين: الأول يكون ظاهر في تصرفات الشخص وأفعاله، والثاني يكون عميقاً في الباطن (يعني خُلُق في النفس)، وهو الإطمئنان والاقتناع برؤية النفس فوق ذلك الآخر الذي تتكبر عليه!

والتكبر آفة عظيمة معظمنا يصاب بها بمستوى من المستويات، أي أن التكبر لا يكون فقط بصورة الاعتزاز والتعاظم على الناس بشكل واضح .. وإنما يمكن أن يكون موجوداً في خفايا بعض المواقف التي تمر بنا في حياتنا اليومية، وسنتحدث عن بعض الأمثلة لاحقاً في هذه المقالة لتتوضح الصورة.

مبدئياً لنكن متفقين على أن وجود التكبر يمكن أن يكون في مستويات عميقة قد تخفى على الأشخاص، حتى على من يدعي أنه يريد مصلحة الناس ويتمنى الخير للجميع؛ فهو/هي عندما يخاف على عاقبة ومصائر الناس أكثر مما يخاف على نفسه، أو يتوقع لنفسه من ثواب أكثر وأفضل مما يتوقع لغيره .. هناك تكبر خفي جداً يتحرك ويلعب في داخله دون أن يتنبه لوجوده! بهذه الصورة يمكن أن يكون التكبّر الخفي!!

لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه
– أبو سليمان الداراني

في كتاب الإحياء لأبو حامد الغزالي، تكلم بشكل مفصل عن الموضوع، وقال أن الخُلُق هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنية .. وإذا ما أردنا تحسين خُلُق ما في الباطن، لابد من أربعة أركان أو قوى داخلية علينا مراعاتها، إذا اعتدلت هذه الأركان حصل حسن الخلق.

1. قوة العلم

بأن يستطيع الواحد منا التمييز بين الصدق والكذب، وبين الحق والباطل .. حتى في الأفكار التي تخطر في باله، بأن يستطيع بناء هذا التفكير النقدي الذي يفحص هذه الأفكار ويستطيع تمييزها. وهذا يعود على الشخص بالحكمة، والحكمة رأس الأخلاق.

قد يكون المقصود بالحكمة بأن يمييز الشخص بين الحق والباطل بما يسمعه أو يراه، لكن أيضاً يمكننا أن نرى الموضوع بأن يعرف الشخص أيضاً الحق والباطل في أفكاره الشخصية جداً! ويدرك من يرى في نفسه تكبر على غيره مثلاً، فيسأل نفسه هل هناك أي أساس حقيقي لمثل هذه الفكرة!؟

2 و 3. قوة الغضب والشهوة

هو كلام الحجة الغزالي قد يبدو قديماً بعض الشيء – فهو متوفي في سنة 505 هـ – لكن باختصار، هي تعني أن يكون لدى الشخص تحكم (control) بما يقول أو يفعل بحسب ما تقتضيه الحكمة التي كونها في عقله. وبالفعل هذا يرفع الوعي ليحضر في مختلف جوانب حياته .. وهنا كل الفرق!

أما الشهوة فهي تشمل كل الغرائز التي تتحرك في النفس، والتكبر يمكن أن نقول أنه أحد تلك الشهوات في النفس البشرية .. تلك الشهوة التي تسعى إلى فصلك عن الآخرين، لكي تشعر بالتميز عنهم، خاصة إذا اعجب الإنسان بشيء فيه أو يمتلكه، ثم لم يتعامل مع الأمر بوعي حقيقي وعميق.

4. قوة العمل

حسناً هذا جانب مهم جداً في الحل، لا يجب على الشخص اهماله! كما يقال: Practice is the key … لكي يستمر التحكم في الأفعال، الأقوال والدوافع الداخلية التي يمكن أن تُبرز هذا الكبر في النفس.

وبالعمل يقصد بأن تخالف هذه الرغبة التي تظهر لك في المواقف المختلفة، أن تتفحصها، أو تقف معها لتفهمها .. وإذا اضطررت: أن تعمل عكس ما تريده منك! مثل:

  • عندما تتناقش مع أحدهم، وظهر أن ما يقوله الطرف الآخر هو الصحيح أو الحقيقة .. إذا ثقل عليك قبوله والاعتراف بأنه كان على صواب، فهناك خطأ ما يجب عليك الكشف عنه! عليك مراجعة نفسك – حرفياً – قم بالعودة إلى ذاتك، وافهم إذا ما كانت تريد معرفة الحق كحقيقة، أم أنها فقط تريد أن تكون هي صاحبة الحق المطلق!
    وخذ خطوة أبعد .. واعترف برأي الطرف الآخر، اشكره، وامدحه بشكل مستمر أمام الآخرين – وإن لم يكن موجوداً – تذكيراً لنفسك!
  • عندما تكون ضمن مجموعة من الناس في مكان ما، وشعرت بشيء من التكبّر في داخلك .. حاول مباشرة التواضع أمامهم بأي شكل، فقط حاول (بينك وبين نفسك) التخلص من ذلك التكبر بطرق تواجهه وتعمل ضده، لا لشيء، فقط لكي لا يكبر ويظهر كما لو كان بالفعل حقيقي؛ بأن تبدأ تشعر أنك أفضل منهم!
  • في حال رأيت أو مررت بأحد الأشخاص اللذين يبدو عليهم الفقر أو الضعف .. يجب ألا يثقل عليك أن تجلس أو تتكلم معه – حتى لو تخيلت ذلك – راقب ما الذي ستشعر به في الداخل؟ وراجع نفسك عن سبب هذه النظرة التي تنظر بها إلى الآخرين؟؟ وهل بالفعل ما تظنه يميزك عنهم أحياناً هو بالفعل سبب حقيقي!؟

إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا، كذلك الحكمة تعمل في القلب المتواضع ولا تعمل في القلب المتكبر!
– عيسى المسيح

في الختام أحب أن أنهي هذه المقالة بالحديث عن حادثة حصلت أيام الرسول، مختصرها أن الرسول لخّص الكبر بأنه: بطر الحق وغمص الناس (بطر الحق يعني ردهه وعدم قبوله .. وغمص الناس أي احتقارهم) وهذه في اعتقادي تختصر الكثير من الكلام، ويمكننا أن نخرج بها من هذه المقالة.

التكبر يقف حاجز للشخص من رؤية الحقيقة على وجهها .. وبذلك يفقد الكثير .. وكل ما يدور في عالمه سيكون مشوّهاً بهذا الفلتر البائس! سيفتقد حقيقة أن هذا العالم أجمل وأكبر من أن يدور حوله فقط، وأن الناس يمكن التقرب إليهم بطريقة أكثر تواضعاً، طريقة تهدف إلى التعرف عليهم بحق، وإيجاد الروائع في عالمهم (مهما كانوا)! وهكذا مع الكثير من الحقائق التي ستمر من فوق رأس المتكبر دون ملاحظة جمالها .. وفي النهاية هو/هي من يخسر حتماً!

لذلك، الوصول إلى مستوى أعلى من الوعي الشخصي مهم جداً لمواجهة الـEGO وإدراك حقيقتها .. لكي يصبح الشخص أقل حكماً على الأشياء، أقل تشنجاً مع الاختلاف، أكثر تقبلاً للآخر، أكثر وعياً بحقائق الأشياء .. والعلاقات الخفية التي تربط بينها .. وكل ذلك ينعكس على نظرة الشخص للحياة، والسلام الداخلي الحقيقي الذي سيشعر به.

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

الصبر عندنا | استراتيجية انهزامية أم استمرار في المحاولة !؟ إعرف أكثر الصبر عندنا | استراتيجية انهزامية أم استمرار في المحاولة !؟

لقد تعودنا في حياتنا على استخدام الصبر حتى أننا لم نعد نفكر بمعناه حقا، فـ"اصبر" تكون هي الحل لمشاكلك التي تواجها في عملك ... في وضع ما في حياتك ... أو حتى في أمور تحتاج منك تفكير وتعامل حقيقي معها لإيجاد حل لها، إلا أن الجواب

طارق العربي طرقان … أهمية ما قدمه لنا إعرف أكثر طارق العربي طرقان … أهمية ما قدمه لنا

دخوله في مجال أغاني الأطفال كان أشبه بالصدفة، ويالها من صدفة جعلته من أشهر وأقرب الأصوات على قلوب هذا العدد الكبير من الأطفال ... في بداية عمله في هذا المجال، لم يكن يدرك أهمية وحساسية ما يقوم به، لكنه يقول بأنه مع الوقت

شارك في الحوار