دراسة استمرت 75 عاماً عن السعادة | ما الذي يمكن أن نستفيده منها
دراسة استمرت 75 عاماً عن السعادة | ما الذي يمكن أن نستفيده منها

يقول أرسطو بأن السعادة هي الخير الأسمى الذي يسعى لتحقيقه الشخص في حياته، فبالنسبة له السعادة هي ليست أمراً ثانوياً في حياة كل واحد منا .. وإنما هي الهدف الأقصى الذي يسعى لتحقيقه في نهاية المطاف، وهي تقف هناك خلف القرارات والخيارات المختلفة التي يقوم بها الشخص في حياته!

لذلك، وما دامت السعادة هي أحد أهم الأهداف التي يسعى لتحقيقها الإنسان (وهي الأهم إطلاقاً بالنسبة لأرسطو) ، فلابد أن نفكر فيها بجدية أكثر، وأن نحاول فهمها بشكل أعمق لنعرف كيف نعيد توجيه بعض مساعينا، ونعيد ترتيب بعض أولوياتنا لتكون الصورة كلها متناسقة بشكل أكبر .. ففي النهاية، نحن نمتلك بين أيدينا هذه التجربة التي نختبرها، وسيكون من الأجمل لو استطعنا فهم السعادة ، بحيث تندمج مع هذه التجربة قدر المستطاع.

والجميل هنا هو أن موضوع السعادة أصبح علماً قائماً بذاته، ولم يعد مجرد تأملات وآراء شخصية يمكن أن تقنعك ويمكن لا .. وإنما أصبح يعتمد على دراسات وبراهين علمية، وأصبح هناك تخصصات علمية رسمية تبحث في السعادة وتدرسها بشكل علمي. منها هذه الدراسة! 75 سنة في البحث عن سر السعادة!!

لابد أن نخرج بشيء منها!

باختصار، بدأت هذه الدراسة في عام 1938 في جامعة هارفرد، وتمت على 724 شخص .. حاول الباحثين في هذه الدراسة تغطية مختلف الجوانب من حياة الأشخاص، لأخذ أكبر صورة ممكنة عن حياتهم، والبيئة التي يعيشون فيها. ويمكنك معرفة المزيد عنها في محاضرة TED هذه.

تمت هذه الدراسة على أشخاص من مختلف الأوضاع الإجتماعية، وخلال هذه الدراسة كان هناك أشخاص صعدوا من أوضاعهم المعدمة إلى أخرى ممتازة جداً، وآخرين على العكس تماماً .. لذلك لابد وأن تكون نتائج هذه الدراسة مميزة جداً، لطول أمدها أولاً، وثانياً في أنها تناولت أشخاص من مختلف الطبقات الإجتماعية، وكذلك مع المراحل التي انتقلوا بها من وضع لآخر.

من عشرات الآلاف من الصفحات والملاحظات التي خرجوا بها .. استبيانات، فحوصات طبية، مسح أدمغة، توثيقات فيديو، مقابلة الآخرين الموجودين في حياة أولئك الأشخاص المدروسين .. كانت النتيجة باختصار: أن العلاقات الإجتماعية الوثيقة تجعل حياتنا أكثر سعادة وأكثر صحة! كان هذا هو العامل المؤثر في كل حالة تمت دراستها، باختلاف الظروف والأوضاع.

وهناك ثلاث نقاط مهمة تتعلق بهذه النتيجة:

1. العلاقات الإجتماعية الوثيقة هي بالفعل مفيدة بالنسبة إلينا، فالوحدة تقتل الإنسان! لأنه في طبيعة الحال إنسان إجتماعي بشكل عام .. فقد وجدوا في الدراسة أن الأشخاص أصحاب العلاقات الإجتماعية الصحية بأُسرِهم وأصدقائهم ومجتمعهم، هم أكثر سعادة، وأصح جسدياً، ويعيشون حياة أطول.

قد تفكر هنا بأن هناك أوقات يشعر فيها الشخص برغبة في انعزاله عن الآخرين .. وهذا أمر طبيعي وعادي جداً .. لكن عندما تكون العزلة عن الآخرين أكثر من المقدار الذي يرغب به الشخص، هناك تكون المشكلة ويصبح الشخص أقل سعادة في وحدته، وتبدأ صحته بعد منتصف العمر تتراجع بشكل أسرع، ويعيش حياة أقصر.

2. الدرس الثاني الذي يتعلق بهذه النتيجة، هو أن العدد ليس المفتاح! فالأمر لا يعتمد على ’’عدد العلاقات‘‘ التي تمتلكها .. وإنما السر يكمن في نوعية هذه العلاقات!

وهذه نقطة أحب التحدث عنها شخصياً .. بأن الأمر لا يعتمد على عدد العلاقات التي يكونها الشخص، لأنه في حال كانت مجرد علاقات سطحية، فمهما كانت كثيرة، سيظل الشخص في داخله يشعر بالوحدة التامة! لأنه يدرك في قرارة نفسه أنها علاقات سطحية، وأن أي من هذه العلاقات في وقت ما، لن تستطيع تعزيته في وحدته التي يشعر/تشعر بها.

لذلك اعرف/اعرفي كيف تبنين علاقات عميقة حقيقية مع الأشخاص المناسبين .. لتكن علاقات حقيقية تشعر بفرادتها بالفعل.

3. الآن هذه العلاقات الوثيقة، تؤثر كما قلنا على صحة الشخص الجسدية بشكل كبير .. وبالإضافة إلى ذلك أيضاً فإن تأثيرها يصل حتى على الدماغ! فوجود علاقات وثيقة تشعرك بالثقة بأن هناك من يمكن أن يكون إلى جانبك في الوقت الذي تحتاجه إليه .. وُجد أن له تأثير حتى على ذاكرة الشخص، بأنها تصبح أقوى وأطول أمداً.

حسناً لنأخذ الموضوع خطوة أبعد قليلاً …

هذه العلاقات الجيدة لا تعني بالضرورة أنها دائماً سلسة في كل الأوقات، وأن كل الأمور على ما يرام بشكل خيالي دون وجود أي مشاكل هنا أو هناك من وقت لآخر .. وإنما هذه العلاقات تكون وثيقة بما تمنحنا من الشعور بأنه مهما حدث، سنظل نشعر بالأمان بأن ذلك الطرف الآخر سيظل موجود هناك معنا، ويمكننا الاعتماد عليه.

وأيضاً هذه السعادة الآتية من مثل هذه العلاقات الوطيدة، لا تأتي كحل سحري سريع، بحيث نحصل على السعادة من خلالها بشكل فوري! خاصة لأنها تتحدث على العلاقات الإجتماعية، التي يمكن أن تكون صعبة الفهم ومعقدة في بعض الأحيان .. لذلك الأمر الآن يعتمد عليك، كيف يمكن أن تفهم هذه النتيجة وتحاول استثمارها ودمجها في حياتك الشخصية. لتصل إلى هذه النتيجة التي تقدمها الدراسة.

أن تحاول فهم العلاقات المختلفة الموجودة في حياتك، مع أسرتك، مع الأصدقاء المقربين، والأصدقاء الأقل قرباً، والمجتمع ككل .. وأن تفهم كيف تبني علاقتك مع كل جهة وما يناسبها .. في هذا قوة كبيرة يمكن أن تعمل لصالحك، وإن لم تشعر بها بشكل مباشر.

’’وجيزة هي الحياة، فليس هناك وقت للخصومات والاعتذارات والانتقامات .. هناك متسع للمحبة فقط‘‘
– مارك توين

لذلك ابدأ من اليوم .. على الأقل في تشكيل هذه العقلية في داخلك .. لأنه بالطبع صعب أن تبدأ مباشرة في تغييرات كبيرة مثل هذه، خاصة في علاقاتك الإجتماعية، لأن الجميع سيبدأ يتساءل عما حصل لك!؟ وعما إذا كان هناك خطب ما!؟ وتكون ساعتها في موقف غريب 🙂

لذلك فقط كوّن هذه العقلية .. وابدأ تدريجياً بأن تكون فرد فعّال في أسرتك، وأن يكون وجودك فيها شيء محبب وجميل .. وكذلك مع أصدقائك، جرب أشياء جديدة غريبة لم تعتادوا عليها، كن ذلك الشخص الذي تحدثنا عنه في مقالة الناس المجانين .. ولتكن جميع تفاعلاتك مع أي كان من حولك حقيقية وعميقة، لأنه علمياً الآن نتحدث (بعد هذه الدراسة) ستكون حياتك أسعد!

انضم لقائمتنا الشهرية
خذ علاقتك بـ TrueEnsan خطوة أبعد وانضم إلى القائمة الشهرية التي نرسلها لكل مشتركينا، تحتوي على آخر المقالات التي تم نشرها وبالإضافة إلى أمور أخرى تختلف من وقت لآخر!
نحن أيضاً نكره الـSpam! لذلك ستكون هذه الإيميلات بيننا فقط، ولن نقوم ببيعها أو شيء من هذا القبيل .. فقط نحن وأنت!

يمكنك الآن التسجيل في قائمتنا الشهرية لتصلك رسائلنا الشهرية الخاصة .. لتأخذ علاقتك مع TrueEnsan خطوة جديدة أبعد .. كما يمكنك التعليق في الأسفل برأيك عن الموضوع، أو أي إضافة يمكن أن تقدم شيء على هذه المقالة!

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

لقد حان الوقت لكي نستيقظ إعرف أكثر لقد حان الوقت لكي نستيقظ

اللامبالاة. إنها تصدمني. إنها في كل مكان، في كل عقل وفي كل نفس. لم أشعر بهذا القلق من قبل على مستقبل الإنسانية. حسنا، أدرك أنني لم أعش لمدة طويلة كافية لكي أنتهي إلى مثل هذه النتائج والملاحظات ... لكن أليس من المفترض أن يكون

10 رسومات توضيحية عن حياتنا اليومية .. لنفكر فيها قليلاً إعرف أكثر 10 رسومات توضيحية عن حياتنا اليومية .. لنفكر فيها قليلاً

قد تبدو هذه الصور للوهلة الأولى أنها رسومات عادية، يمكننا القول بأن لها معنى جميل أراد صاحبها توصيله. لكنها يمكن أن تصبح أقوى/أعمق مع تفكيرنا فيها أكثر، واسقاطها على واقعنا الذي نعيش فيه .. أعط نفسك بعض الوقت للتأمل في في

حقيقة التعلّق ولماذا عليك التنبه إليها إعرف أكثر حقيقة التعلّق ولماذا عليك التنبه إليها

    خلال شهر مايو الفائت كان هناك تحدي على TrueEnsan (تحدي الفوضى) للتخلص من الفوضى التي تتراكم من حولنا دون أن نشعر بها، وكان لهذا التحدي هدفين: الأول في التخلص أساساً من هذه الفوضى التي لا داعي لها في حياتنا على الإطلاق ..

شارك في الحوار