مرآة من نوع آخر | لبدء علاقة جديدة مع ما حولك
مرآة من نوع آخر | لبدء علاقة جديدة مع ما حولك

في الأساطير اليونانية القديمة هناك قصة لصياد من ثيسبيا اسمه نرجس أو نركسوس الذي نشأ في بيئة المياه الجارية والساحات الخضراء. اشتهر نركسوس بجماله الخرافي، ولم يكن لأي أحد يراه إلا أن يؤخذ بروعة جماله! ونركسوس كان يعرف جيداً أحقيّته بهذا الإعجاب .. لكنه لم يكن يبادل هذا الحب والإعجاب بالحب من طرفه، وإنما ظل معجباً بنفسه بشكل مفرط، حتى فصله لاحقاً عن الواقع وعن الآخرين من حوله، فأصبح وكأنه لا يرى في هذا العالم أحداً غيره! لا يرى شيئاً موجوداً خارج حدود ذاته يستحق التقدير!!

في أحد الأيام خرج نركسوس للصيد، وبعدما ظل يركض كثيراً خلف طرائده .. وأشعة الشمس القوية من فوقه .. قرر التوقف في مكان ظليل تتوسطه بركة مياه. بدى ذلك المكان ممتازا جدا ليجلس فيه ويريح بدنه من كل التعب الذي لحق به.

استلقى نركسوس على الأرض الباردة، مال بنفسه ليشرب من بركة الماء تلك، ارتوى، أراد رفع وجهه منها، وفجأة رأى وجها بديعا ينظر إليه من فوق سطح الماء! تجمد وهو ينظر إلى عيني ذلك الوجه الذي يبادله النظرات من تحت الماء .. شعر بشعور غريب (لم يشعر به من قبل) .. ثم غادر ذلك المكان مضطراً.

أصبحت هنا علاقة جديدة عصفت بكل مشاعر نركسوس، وظل يداوم ويعود إلى بركة الماء تلك ليلا ونهارا، ظل يعود ليرى محبوبته في الماء .. لكنه أيضا كان يحبط بسببها؛ فهي لا تبادله نفس المشاعر، وتظل تهرب منه كلما حاول امساكها! فانكسر نركسوس بسبب هذا وضعف، حتى قضى عليه حزنه بعدها، وفارق الحياة وهو يحاول الوصول إليها، لكن بلا فائدة.

علاقة جديدة

من هنا أتت قصة نركسوس! وهي اشتهرت بسبب استعمال عالم النفس سيجموند فرويد لها في تحليل العقدة النرجسية في البشر، العقدة التي تحبس الشخص داخل حدود نفسه الضيقة جداً .. والتي تجعله لا يرى سواها في هذا العالم كله! ويرى في مثاليتها (الموهومة) أنها مرجع لكل شيء! وهكذا يبقى يدور حول نفسه ويمجدها حتى ينفصل بالكامل عن الواقع .. ليصل/لتصل إلى نفس مصير نركسوس بشكل من الأشكال.

لكن .. مرآة جديدة – علاقة جديدة مختلفة

المرآة التي سنتحدث عنها في هذه المقالة مختلفة تماماً عنها! فمرآة نركسوس في جهة، ومرآتنا هذه في الجهة الأخرى المقابلة تماماً! نحن هنا نتكلم عن علاقة جديدة ومختلفة كلياً.

يعني بصراحة وبعد التفكير جيداً في نركسوس .. نرى أنه بالفعل لم تكن هناك أي فائدة حقيقية لكل ما فعله! بل قد ننظر بشيء من الاحتقار لما قام به! يعني بالله عليك هذا هو المراد الأقصى في حياتك .. أن تدور حول نفسك بكل هذه البلاهة!

قد يبدو هذا بدهياً بالفعل .. ولا أحد منا ممكن أن يتقبله .. لكننا هنا أيضاً يجب أن نفتش أكثر، وألا نتوقف عند هذه القصة ونقارن، لنقول: أوه، حسناً أموري تمام! لست في هذه الدرجة من اللاوعي مثل نركسوس! هنا علينا أن نفتش أكثر فيما نفعل أو فيما نقول، لعلنا نجد درجة أقل من درجات هذا الدوران حول الذات .. الأمر ممكن، أليس كذلك؟

هذه الطريقة التي ستقدمها المقالة (المرآة) تختلف عن مرآة نركسوس في تضخيم الذات وتبجيلها فوق الجميع. هذه المرآة مستوية أكثر وتبدأ علاقة جديدة أقرب للحقيقة، لأنها تجعلك دائماً تنظر فيها لتراجع نفسك وتسائلها. ليس لمجرد جلد الذات وفقط .. وإنما هدفها النهائي هو الوصول إلى الكشف والصراحة التامة مع الذات، فبعد أن تستمر في استكشاف نفسك (عيوبها وأسرارها وأعماقها) يمكنك بعدها التعامل معها بشكل آخر مختلف تماماً .. أنضج وأكثر استقرارا.

كيف!؟

فقط كن جدياً / كوني جدية في بدء علاقة جديدة مع نفسك، في معرفة حقيقة مشاعرك ومواقفك خلال الأحداث المختلفة التي تمر بك .. أقصد في كلامي هذا أن تعرف حقيقة المشاعر التي تشعر بها في هذه المواقف، حقيقة الأشياء التي تدور في داخلك. لأننا في العادة عندما يحدث لنا أي موقف، كل تركيزنا ينصب على ما هو خارجي: ردات أفعال الآخرين، أعذار خارجية للمشاعر التي تشعر بها، هم وهذا وهذاك كان السبب الذي جعلك تشعر بهذا الشكل …. ولا يكون هناك أي اهتمام بما هو في الداخل! وما الحاصل هناك!؟

يتوجب علينا أن نتخلى قليلاً عن هذه الطريقة في التعامل مع المواقف، لأنها دائماً تعكس شيء خارجي يكون هو السبب، فتبني بعدها كل استنتاجاتها، وتبحث عن الحلول في الخارج فقط!

أما لو وجهنا هذه المرآة نحو أنفسنا قليلاً لاختلف الأمر هنا، فيكون البحث والتفتيش داخلي وشخصي جداً؛ فعند مواجهة موقف معين، ستبحث عن الأسباب الداخلية الشخصية التي جعلتك تفكر بهذه الطريقة: هل تشعر بالنقص في جانب معين في حياتك جعلك تشعر هذه الطريقة في ذلك الموقف الذي مر بك؟ هل هناك موضوع حساس جداً بالنسبة إليك؟ طيب لماذا؟ كيف يمكن أن أفهم هذه المشاعر التي أحسست بها أكثر؟ كيف يمكن أن أتصالح معها؟؟ … ومثل هذه الأسئلة المختلفة الكاشفة.

واضح جداً أن هذه الطريقة ليست حنونة جداً عليك شخصياً، لا تعطيك الكثير من الأعذار! لكن يمكنها أن تقدم شيء أو حل حقيقي .. لك شخصياً!

عندما تستمر/تستمرين في مراجعة نفسك بهذا الشكل، تبدأ تدريجياً تتخفف من الاعتقاد – الذي لا أحد يخلو منه – بأنك دائماً على قناعة تامة بأن موقفك سليم 100% في كل موقف! أن أي خطأ حدث لابد وأن له سبب ما آخر خارجي؛ بأن شعورك بالغيرة والحقد على صديقك لابد وأن يكون بسبب ’’ظرف‘‘ معين سبب ذلك! وليس ضعف ما عميق جداً فيك .. لا لا أبداً .. وأن ردة فعلك المبالغ بها تجاه انتقاد أحدهم، لابد أنها كانت بسبب أنك ربما لم تنم جيداً ليلتها! ليس أن هناك شيء ما في داخلك عليك التفاهم معه بالنسبة لهذا الموضوع!

وتفقد هنا الفرصة بالتعرف بصدق على ما في داخلك .. لتحاول فهمه أكثر، لتصل إلى شيء من السلام الحقيقي في داخلك!

هنا بالضبط تختلف هذه المرآة التي نتحدث عنها عن مرآة نركسوس. فهي مرآة موجهة نحوك نعم، لكنها ستريك شيء من حقيقتك في الداخل (وإن كانت حقيقة غير مُرضية تماماً) .. لكنها ستريك الحقيقة، وهذا هو المهم .. عكس مرآة النرجسية التي تعكس صورة الشخص، لكنها تعكسها مشوّهة لا تترك إلا أوهاما تشتت من يصدقها، وتتركه عى السطح فقط!

هذا ما أحببت توضيحه من خلال هذه لمقالة التي كتبتها .. لست مع جلد الذات بالشكل السلبي لهذا المصطلح، ولا مع تحميل النفس أسباب كل شيء يحدث في العالم .. وإنما أنا مع التيقظ الناضج والواعي في التعامل مع الذات، لأن هذا بصراحة أقرب بكثير للحقيقة، ويفتح مجالات جديدة كلياً لتعرفنا على أنفسنا! وفي هذا كله جمال وقوة مدهشة في شخصية من يقوم بذلك!!

كن/كوني مساهمة في توصيل هذه المقالة ورسالة TE بشكل عام عبر نشرها .. أو حتى التحدث عن الموضوع مع صديق قريب! واستمر(ي) في حمل هذه المرآة والنظر جيداً فيها! سـلام 🙂

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

صناعة السعادة 101 إعرف أكثر صناعة السعادة 101

تعرف أكثر على صناعة السعادة .. كيف يمكن توليف السعادة في مختلف ظروف حياتك! هل يبدو مصطلح صناعة السعادة غريباً نوعاً ما؟ أكمل قراءة المقالة لمعرفة المزيد!

لقد حان الوقت لكي نستيقظ إعرف أكثر لقد حان الوقت لكي نستيقظ

اللامبالاة. إنها تصدمني. إنها في كل مكان، في كل عقل وفي كل نفس. لم أشعر بهذا القلق من قبل على مستقبل الإنسانية. حسنا، أدرك أنني لم أعش لمدة طويلة كافية لكي أنتهي إلى مثل هذه النتائج والملاحظات ... لكن أليس من المفترض أن يكون

شارك في الحوار