معنى الحياة .. من تجربة فيكتور فرانكل في المعسكرات النازية – جزء 2/1
معنى الحياة .. من تجربة فيكتور فرانكل في المعسكرات النازية – جزء 2/1

 
 

فيكتور فرانكل

فيكتور فرانكل (1905-1997) هو بروفيسور متخصص في مجالي علم الأعصاب والطب النفسي. يعد من أشهر علماء نفس المدرسة النمساوية إلى جانب عالمي النفس النمساويين المشهورين فرويد وأدلر .. لمدة ثلاث سنوات في مخيمات التركيز النازية، مرّ الدكتور بتجربة أطلعته على الكثير من استجابات الإنسان للظروف التي يمر فيها، خاصة تلك الأكثر تطرفا وبؤسا.

 

أحببت مشاركة هذه التجربة لسببين:

  • تطرّف التجربة التي مر بها الدكتور، التي تعامل فيها الإنسان مع أوضاع لا يملك ما يخسر فيها سوى حياته فقط.
  • أن من خاض هذه التجربة هو عالم في النفس البشرية وعالم أيضا في الأعصاب، حاول -كما يبين- قدر المستطاع تحليل تلك التجربة الصعبة بموضوعية.

“بكل بساطة، أردت أن أوصل للقارئ مثالا واضحا بأنه يمكن للحياة أن تحمل معنى ما تحت أي ظرف من الظروف، حتى تلك الأكثر بؤسا” – فيكتور فرانكل

 

الحياة في مخيمات الاعتقال النازية

تخيل أنك تعيش في مكان تعامل فيه على أنك مجرد رقم .. رقم يوشم على جلدك ويصبح هويتك طوال فترة بقائك في تلك المعتقلات، التي لا تعلم أصلا متى ستخرج منها، أو حتى إن كنت ستخرج منها.
 
هناك تلك الأفران. أفران البشر. في مخيمات وضعك فيها يتلخص بإما أن تكون “قوي كفاية” للعمل، فتبقى على قيد الحياة. أو أنك لا تصلح للعمل كونك هزيل، مريض، أيا كان عذرك، فمصيرك يكون إلى ذلك الفرن! وقرار الحياة أو الموت هذا يكون بإشارة اصبع بسيطة.
 
العمل يكون هناك في أي وضع وعلى أي حال. شتاء، ثلج، مطر، تعب، مرض .. هناك فقط عمل يجب أن يتم! بـطعام يومي يتكوّن من قطعة خبز ومرق أقرب إلى الماء، وأحيانا مع بعض “الزيادات” من قليل جبنة، أو سمن، أو قطعة سجق.
 
عندما يكون نومك على مراتب خشبية محشورا بين 8 أشخاص يتدفؤون بغطاءين فقط، هو “الراحة” والتخليص المؤقت من كل تلك الآلام.
 

“أولئك اللذين لم يمروا بمثل هذه التجربة بالكاد يستطيعون تصور الصراع النفسي المدمر واضطرابات قوة الإرادة التي يمر بها شخص مجوّع. إنهم لا يستطيعون إدراك معنى أن تقف وتحفر في خندق، مستمعا فقط لأصوات صافرات الإنذار معلنة 9:30 أو 10:00 صباحا – فترة النصف ساعة للغداء – عندما يتم توزيع الخبز (إذا ما كان متوفرا)؛ مستمرا في سؤال المراقب – إن لم يكن شخصا بغيضا – كم هي الساعة؛ وبلطف تلمس قطعة الخبز في جيب معطفك .. بدايةً تلامسها بأصابعك العارية والمتجمدة من البرد، ثم تقسم منها قطعة لتضعها في فمك، وأخيرا، مع آخر رمق من إرادتك، تعيد وضع الباقي في جيبك، واعدا نفسك بإبقائها إلى ما بعد الظهر”

كيف يمكن لشخص أن يجد معنى لحياته في تلك الأوضاع؟ وما أهمية ذلك فعلا؟ هذه أسئلة حاول فيكتور فرانكل إجابتها، الشخص الذي بالفعل نجى من تلك الأوضاع، وأراد أن يوصل فكرة أن هناك معنى ما لحياتك، يمكن لك أن تصل إليه وتستشعره، مهما ساءت الأوضاع التي أنت فيها!
 

أن يكون لحياتك معنى

“لا يوجد هناك شيء في العالم، وسأجازف بقولي هذا، يمكن له أن يساعد الشخص في تخطي حتى أسوأ الظروف، مثل الإدراك بأن هناك معنى لحياته” – فيكتور فرانكل

إن بحث الإنسان عن وجود معنى لحياته لا يعتبر حاجة إنسانية ثانوية أو شيئا رفاهيا بالنسبة إليه .. إنما يعد هذا السعي حاجة متأصلة في الإنسان ومحفّزا أساسيا في حياته. بأن يدرك أن وجوده في هذه اللحظة وفي هذا الموقع من هذا الكون الكبير، ليس صدفة، ليس عبثا، بل إن هناك حكمة من وجوده ومعنى، يجب أن يجده وأن يسعى إلى تحقيقه.
 
في احصائية من جامعة Johns Hopkins لـ7,948 طالب جامعي من 48 كلية، سئل الطلاب عما يعتبر “أهم شيء” بالنسبة إليهم. كانت النتيجة أن 16% فقط أجابوا بأن ما يعتبروه أهم شيء بالنسبة إليهم هو الحصول على كثير من المال، بينما 78% قالوا أنه وجود هدف ومعنى لحياتهم.
 
أعلم أن المجموع ليس 100%! ممكن أن الباقين اختاروا أشياءا أخرى .. أنا أيضا انتبهت للرقم 😛
 
يقول فيكتور فرانكل: “إن ما يحتاجه الإنسان في الواقع -لصحته النفسية- هو ليس حالة من الراحة التامة وعدم التوتر، وإنما حالة أخرى من السعي والكفاح من أجل هدف يستحق منه كل هذا الجهد، هدف مختار بحرية” .. إذاً، الراحة ليست في حالة من اللا توتر، والبعد عن كل الهموم بالمطلق. بل إن هناك قدر (صحّي) للهموم في حياة الإنسان، همّ الفرق بين ما هو عليه الآن وبين ما يريد أن يكون، همّ معرفة ما يجب أن يقدمه في هذه الحياة .. ذلك الهدف الخاص به، الذي لا يمكن لأحد غيره في هذا العالم كله أن يأخذ مكانه .. أبدا.
 
*معلومة* عدم وجود هذا الشعور أو ما يسمى بـ(الفراغ الوجودي) يظهر بشكل أساسي على شكل الملل في حياة الإنسان. وأيضا يظهر خلف أقنعة أخرى .. بحيث هذا السعي المحبط نحو معنى للحياة يتم تقنيعه كشكل من أشكال البحث عن السلطة أو المال، أو في بعض الحالات بالبحث عن المتع، الجنسية خاصة.
 
لا أريد هنا أن تبدو هذه المقالة مثل كلاما خياليا (إيجابيا) عن الحياة، أحلاما وردية بعيدة عن الواقع، تتحدث عن معنى الحياة والأهداف بشكل لا يمكن تطبيقه .. لا .. كل ما تريده هذه المقالة هو أن تبيّن أن الإنسان يبحث عن قيمة لحياته، يريد أن يكون هناك معنى لما يقوم به؛ لتعامله مع الآخرين، للقيمة التي يقدمها لمن يحب، لشيء لا يمكن لأحد في هذا الكون أن يأخذ مكانه فيه .. الإنسان يبحث عن المعنى.
 
هذا ما لاحظه الدكتور في معتقلات التركيز النازية، أن أولئك اللذين كانوا يعلمون بأن هناك شيء ما في انتظارهم عندما يخرجون من تلك السجون، كانوا هم الأكثر قابلية للنجاة والبقاء على قيد الحياة .. منهم من كان لديه عائلة في انتظاره، ومنهم من كان عنده فكرة وقيمة أراد تقديمها للعالم، وفيكتور فرانكل كانت عنده هذه الفكرة (العلاج بالمعنى) التي أصبحت مدرسة كاملة في الطب النفسي.

“من كان لديه سبب يعيش من أجله، يستطيع أن يتحمل تقريبا أي (كيف؟)” – فريديريك نيتشه

 
الجزء الثاني من هنا

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

حالات الإنفصال .. تعرّف على ما يحدث فيها نفسياً وعصبياً إعرف أكثر حالات الإنفصال .. تعرّف على ما يحدث فيها نفسياً وعصبياً

الدماغ ما يقتصر فقط على أوامر خاصة بس بالعمليات الحيوية اللي نعرفها .. وإنما هناك تفاعل أكبر بين الجسم والأشياء اللي تصير حوليه، وعليه الجسم وهرموناته وأنظمة الدماغ المعقدة يبذل كل هذا المجهود لتعامل الإنسان مع مخرجات

شارك في الحوار