معنى الحياة .. من تجربة فيكتور فرانكل في المعسكرات النازية – جزء 2/2
معنى الحياة .. من تجربة فيكتور فرانكل في المعسكرات النازية – جزء 2/2

 
 
الآن، بعد أن عرفنا من المقالة السابقة (يمكنك قراءتها من هنا) كيف أن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعنى، وهو مستمر في هذا، مستمر في بحثه عن موقعه في هذا الكون من حوله. يأتي الآن دور التعرف على “معنى الحياة” .. ما هو؟ .. وكيف يمكن ايجاده والشعور به في حياة كل واحد منا؟
 

معنى الحياة

عندما نتكلم عن “معنى الحياة” قد يتبادر إلى الذهن أن هذا المعنى هو شيء واحد معيّن ينطبق على الجميع، جواب شامل ومباشر لكل من يسأل ويبحث عنه، لكنه (للأسف) ليس كذلك .. إن معنى الحياة بطبيعته يختلف من شخص لآخر، من يوم لآخر، ومن لحظة لأخرى. ما يهم هو ليس معنى الحياة هكذا بشكل عام، نبحث ونسأل الآخرين عنه، وإنما المهم هو المعنى المحدد الذي يمكن أن نشعر به في المواقف التي تمر بنا (على اختلافها).
 
كيف يعني!؟
 
إن السؤال عن معنى الحياة (هكذا بشكل عام!) يشبه سؤال لاعب شطرنج محترف عن أفضل حركة شطرنج في العالم .. الجواب هو: لا يوجد شيء مثل هذا .. لا يوجد “أفضل حركة” هكذا وحدها هناك في الخارج، تبحث عنها وتتعلمها، ثم تصبح أفضل لاعب شطرنج في العالم. بل إن معنى أي حركة تقوم بها لابد أن تتعلق بموقف معين من اللعبة وأيضا بالشخص الذي تواجهه. كذلك سؤال “ما معنى الحياة؟” أو “ما الذي يعطي للحياة معنى؟”
 
البعض سيظن أن الجواب هو “بأن يكون لديك أولاد” أو “أن يكون لديك فكرة تسعى لتحقيقها” أو “في تقديم المساعدة للآخرين” .. كل هذه الأجوبة ذات قيمة بالتأكيد .. إلا أن (ما يعطي لحياتك معنى) لا يمكن أن يقتصر على واحدة منها فقط لتشمل كل الناس وكل الظروف.
 
إن معنى الحياة بالنسبة إليك يمكن أن يشمل كل تلك الأجوبة، بحسب المواقف والظروف التي تمر فيها. عند كل موقف يكون أمامك قرارات عليك اتخاذها، يمكنك أن تجد قيمة في كل موقف من تلك المواقف، ومن خلال قرارك تتخذ أي وجهة تريد سلوكها في سبيل تحقيق تلك القيمة .. بذلك يمكن عكس سؤال “ما الذي تنتظره بعد من الحياة؟” إلى سؤال: “ما الذي تنتظره الحياة منك أنت؟”
 

معنى الحياة يمكن اكتشافه

بناءا على رأي فيكتور فرانكل فإن معنى الحياة يمكن أن تجده من خلال 3 مواقف:
 

عندما تنجز عمل أو مهمة معينة.

هذا طريق الإنجاز .. يذكر الدكتور فرانكل أنه عندما تعامل مع بعض مراجعيه، اللذين كانوا يشعرون ببعض الاكتئاب بسبب عطالتهم عن العمل (أغلبنا سيظن أنه بسبب وضعهم المادي .. صح؟) .. إلا أنه بمجرد نصحهم بالقيام ببعض الأعمال مثل الالتزام في العمل التطوعي، تعليم الكبار، الذهاب للمكتبات العامة، أو أي شيء من هذا القبيل .. اختفى ذلك الشعور بالكآبة، مع أن وضعهم “ماديا” لم يتغير! فهم كانوا يشعرون بتلك المشاعر، لأنهم في موقفهم ذاك لم يعودوا يشعروا بأنهم يقدمون أو ينجزون شيئا ما في حياتهم.
 

عندما تختبر شيئا أو شخصا ما.

الطريقة الأخرى التي يمكنك بها أن تصل إلى معنى في الحياة، هي عبر اختبار الأشياء، أو بعبارة أخرى (عبر الحب – بالمعنى العام) .. عبر اختبار الطيبة في موقف أو شخص ما، الجمال في شيء تراه، الطبيعة من حولك، ثقافة ما، شخص تحبه .. هذه الخبرات وسيلة للشعور بهذا المعنى، وهي مهمة بقدر الإنجاز الذي تحدثنا عنه؛ لأنها توازن بين العالم الخارجي من الإنجازات، وبين العالم الداخلي الذي فينا من الخبرات.
 

موقفك تجاه معاناة لا يمكن لك تجنبها.

يوضح فيكتور فرانكل أنه يجب ألا ننسى أنه يمكننا إيجاد معنى للحياة التي نعيشها، حتى في تلك الظروف الميؤوس منها .. ألا نهمل قدرة الإنسان في أن يحوّل هذا الموقف البائس الذي يمر فيه إلى شيء آخر مختلف، أن يعطيه معنى، بأن يحوله إلى انتصار.

“هناك شيء واحد فقط أخشاه؛ ألا أكود جديرا بمعاناتي” – دوستويفسكي

يوضح الدكتور هنا أنه إذا كانت هذه المعاناة يمكن تجنبها، فأفضل شيء بالتأكيد يمكنك فعله هو أن تجنب نفسك هذا الموقف .. إنما هنا هو يتكلم عن المعاناة التي لا يمكنك تجنبها، التي هي هناك، وقد حدثت لك بالفعل، وعليك اتخاذ موقفك منها الآن .. فالمعاناة في نهاية المطاف ليست شيئا ضروريا في حد ذاتها للشعور بمعنى الحياة، وإنما معنى الحياة يمكن إيجاده حتى في أسوأ الظروف. كالموقف التي اتخذه الدكتور فرانكل أثناء وجوده في تلك المعسكرات، في أن يذهب خطوة أبعد من نفسه وأبعد من الموقف الذي يمر فيه، ألا تتحكم فيه الظروف بشكل مطلق، أن يملك ذلك الخيار أمام كل شيء أمامه.
 
 
إذاً .. معنى الحياة يمكن أن تجده في ظروف مختلفة؛ في العمل الذي تنجزه، في الخبرات المختلفة، حتى في المواقف الصعبة والتحديات -مهما كانت صعبة- هناك أيضا فرصة بأن تتحول إلى انتصارات شخصية تشعرك بالحياة!

“عش حياتك وكأنك تعيشها للمرة الثانية، وكأنك تصرفت في المرة الأولى عل نحو خاطئ مثلما أنك على وشك التصرف الآن!” هكذا يمكنك التفكير بما تريد فعله بطريقة أخرى مختلفة تماما، يكون الحاضر كما لو كان ماضٍ، ويصبح الماضي قابل للتغيير – فيكتور فرانكل

 
شاركنا / شاركينا رأيك بالأسفل!

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

صناعة السعادة 101 إعرف أكثر صناعة السعادة 101

تعرف أكثر على صناعة السعادة .. كيف يمكن توليف السعادة في مختلف ظروف حياتك! هل يبدو مصطلح صناعة السعادة غريباً نوعاً ما؟ أكمل قراءة المقالة لمعرفة المزيد!

تزكية النفس 101 | المقدمة إعرف أكثر تزكية النفس 101 | المقدمة

معروف أن مصطلح تزكية النفس هو مصطلح ديني جداً .. كما ورد في القرآن الكريم في آيات مثل آية: { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } وآية: { قد أفلح من تزكى }. ولكن – كما هو معروف – تم

حقيقة التعلّق ولماذا عليك التنبه إليها إعرف أكثر حقيقة التعلّق ولماذا عليك التنبه إليها

    خلال شهر مايو الفائت كان هناك تحدي على TrueEnsan (تحدي الفوضى) للتخلص من الفوضى التي تتراكم من حولنا دون أن نشعر بها، وكان لهذا التحدي هدفين: الأول في التخلص أساساً من هذه الفوضى التي لا داعي لها في حياتنا على الإطلاق ..

شارك في الحوار