من أنا ؟ | بين الحقيقة والوهم
من أنا ؟ | بين الحقيقة والوهم

شكرا على الصورة :Elijah Henderson 🙂
 
 

هذه المقالة ستكون عميقة نوعاً ما. سيكون فيها بعض الأفكار التي ستغير قليلاً نظرتنا .. نظرتنا إلى أنفسنا، وإلى كثير من الأشياء في حياتنا. سيكون هذا في سبيل الوصول إلى جواب من أنا ؟ في سبيل الوصول إلى شيء من معرفتنا بذواتنا الحقيقية في الداخل، ليس تلك الوهمية التي نخطئ ونظن أنها نحن.

 
قليل من التعمق لا يضر 😉
 
هناك أسئلة وجودية عميقة عند كل واحد منا .. من أنا ؟ من أين أنا ؟ وإلى أين أنا ؟ .. تظهر هذه الأسئلة في مرحلة ما، ثم تستمر في الظهور، قد تختفي أحياناً لفترات، ربما لا ترجع إلا في مناسبات معينة، لكنها تظهر! بالطبع، لأننا بشر! تستمر في الظهور .. تستمر لأن هذا الوعي الذي نمتلكه مميز جداً، في الواقع، هو أحد تلك الأمور التي تميزنا عن باقي الموجودات الأخرى في هذا الكون؛ الوعي بأنفسنا، بأننا في الواقع موجودون، موجودون هنا والآن بالضبط!! وهذه خطوة كبيــرة خارج صندوق باقي الموجودات من حولنا .. كيف أننا نعي بما حولنا، وأننا نعي بأننا نعي ذلك.
 
حسناً .. كان ذلك معقداً بعض الشيء!
 
لذلك لنعد إلى موضوع المقالة .. إلى أحد تلك الأسئلة المهمة التي تخطر على بال كل واحد منا .. من أنا !؟
 

ما هي ذواتنا الحقيقية؟

 
إذا حاولت الإجابة عن سؤال من أنا ؟ أي ما الذي يجعلني إنساناً؟؟ تجد أنه يصعب عليك تحديد ما هو ذلك الشيء بالضبط .. قد تشعر بأنك تعرفه بطريقة ما، لكن لا تستطيع تحديد ما هو بالضبط!
 
ذلك الشيء الذي إذا فقدته، لن تكون أنت .. وهو بالتأكيد ليس أي شيء من تلك الأشياء التي تحيط بنا، لأنها بكل بساطة (تحيط بنا)! أي خارجة عنا وليست نحن! وكذلك طبعاً، ذلك الشيء الذي لا يمكن فقده وإلا فقدنا من نحن، ليس وضع أو لقب أو مكانة معينة نسعى لتحقيقها! وليس الدور الذي نلعبه في الحياة سواء كأب أو ابن أو موظف، أو مدرس، أو طبيب .. الخ.
 
ففي العمق، إذا لم نكن أي شيء من كل هذا! فمن نحن إذاً!؟ ما الذي يجعلنا على ما نحن عليه؟؟
 
طبعاً هذه الأشياء التي تكلمنا عنها موجودة في حياة كل واحد منا، ونحن مرتبطين بها بشكل كبير في الحياة، لكنها في نهاية المطاف، هي (مرتبطة بنا) وموجودة في حياتنا .. لكنها ليست نحن!
 
وبالرغم من كل ذلك، إذا تأملنا قليلاً، نجد أن معظمنا يحمل صورة أو فكرة عن نفسه، تتكون من مجموعة من تلك الأشياء الخارجية، يظن في نهاية المطاف أنها حقيقته. نجد أن أغلب المعاني التي نحملها عن أنفسنا وهمية إلى حد ما، لا تستطيع الإجابة عن سؤال من أنا ؟
 
وهمية لأننا إذا جئنا إلى موضوع الباطن وحقيقة ذات كل واحد منا، فإن مثل هذه الصور والأفكار لا تصلح لأن تعبر عن حقيقتنا، والتي هي أصلاً في كثير من الأحيان تقف عقبة أمام تجاوزها، للدخول والتعرف على أنفسنا بصدق.
 
قال أفلاطون:

لا يحيى إنساناً .. من لا يعرف باطنه

 
إذاً .. الباطن .. تلك الحقيقة هناااك في الداخل، التي تجعلك إنساناً، التي نتشاركها جميعاً دون فرق. ليست في الصور التي كوّناها من الخارج أو في أذهاننا، التي نظنها نحن! وتواصلك وتعرفك على هذا الوجود الحقيقي في باطنك ليس مرهوناً بتعب أو جهد، أو تحميل نفسك أكثر من اللازم! بقدر ما عليك بكل بساطة الاسترسال مع ذاتك الباطنية، فقط بالعودة إلى هذه الذات في الداخل، الاسترسال معها، والتعرف عليها بشكل أفضل .. فقط اخبُرها.
 
عندما تسترسل مع هذا الباطن داخلك، تبدأ تدرك تدريجياً بالفعل أن هذه الحقيقة أعمق بكثير .. بأن ذواتنا كبشر ليست في الأدوار أو الألقاب التي نمتلكها، وليست الأفكار والصور الذهنية التي كوّناها عن أنفسنا! ولا حتى في الملصقات والأوصاف التي نظنها نحن، تلك التي بُنيت وفق آرائنا أو حتى آراء الآخرين بنا!
 
وهنا سنذهب أعمق قليلاً
 
في تلك العودة إلى باطنك .. عندما تسترسل معه، تلاحظ هناك أنه بالفعل ليس كالصور والأفكار التي تكلمنا عنها، لأن تلك الصور تمثل فقط انعكاسات لا تعبر عن حقيقة الواحد منا (انعكاسات من أدوار وألقاب وأحكام) .. يمكنك أن تنتبه أن مع هذه الصور، هناك شيء ’’متعلق بك‘‘ وليس أنت .. كأنك تُشير إلى شخص آخر، فيكون هناك أنت مؤشراً نحو شيء آخر قائلاً بأنه أنت!
 
لكن عندما تذهب إلى الباطن، لا تشعر بذلك، تكون هناك وحدة واحدة .. يكون هناك أنت فقط! الذي هو بالفعل أنت!
 
مجرد فصل نفسك عن هذا الفيض الضخم من الصور الوهمية .. تبدأ تدرك شيء جديد وعميق! تبدأ تدرك أنك لست تلك الصورة التي تبرزها هذه الأفكار .. بأنك (بطريقة ما) أعلى منها؛ بأنك تستطيع إدراك أنها موجودة وأن تتتبعها داخل رأسك، وبما أنك تستطيع أن تلاحظها وتدرك وجودها، فلا بد أن يتبين أنها شيء، وأن أنت شيء آخر تماما. سيظهر هناك ما يفصلك عنها، بأن حقيقتك وذاتك الباطنية شيء مختلف عن هذه الأفكار والصور التي تحملها عن نفسك!
 

البداية تكمن في مراقبة هذا الذي يفكّر ويظن أن تلك الأفكار والصور هي حقيقته الشخصية.

 

لكن، كيف نبني ذواتاً وهمية عن أنفسنا؟

 
الذات الوهمية في نهاية المطاف هي ليست ذاتاً .. هي مجرد صور أو أدوار كوّناها عن أنفسنا بفعل ظروف عديدة مختلفة .. بأننا عندما كبرنا وبدأنا في التفاعل مع ما حولنا في الخارج، وفي هذا التفاعل يكون هناك الكثير من المعلومات، الآراء، الأحكام، والصور والأمثلة .. فنبدأ تدريجياً في تكوين صورة ذهنية عن أنفسنا، معتمدة على هذه الأشياء الخارجية.
 
ممكن أن نقول أنها صورة عملية عن أنفسنا نستخدمها على أساس يومي .. لكنها تظل صور سطحية، لا تصلح في الإجابة عن من أنا ؟
 
والمشكلة! هي عندما نختزل أنفسنا كبشر، لتتحجم في صورة من تلك الصور التي تكونت تدريجياً، فتتكون طبقات عديدة من الأفكار والملصقات والأحكام التي تتعلق بهذه الصورة لتدعمها، والتي تقف في وجه تكوين صلة حقيقية مع أنفسنا في الداخل.
 
ويمكن إدراك أن الاستمرار مع صورة وهمية عن أنفسنا .. دون التواصل الحقيقي مع ذواتنا بصدق .. كيف يمكن أن يؤثر على فهمنا للحياة التي نعيشها، على تحديد أهدافنا في الحياة، على علاقاتنا مع الآخرين .. على حياتنا التي نعيشها بحد ذاتها، التي نعيشها كغرباء عن أنفسنا، دون أن نلتقي ولو لمرة واحدة مع ذواتنا الحقيقية .. لندرك ما الذي نريده بالفعل.
 

لكن الخبر الجيد هو أن مجرد الوعي بزيف هذا الوهم .. يفقده تأثيره!

 

ماذا بعد هذا كله !؟

 
يُقال أن من عرف باطنه، عرف بواطن الأشياء .. لذلك من يعرف باطنه -ولو قليلاً- تختلف النظرة التي يرى بها كل شيء حوله، يدرك بأن هناك شيء آخر أوسع بكثيـيـر! يدرك أن السطحية ومجرد الأفكار تلك التي كانت تأخذ الكثير من الفضل، هي فقط جزء صغير مقارنة بهذه النظرة الأخرى الأعمق.
 
مع هذه النظرة الجديدة يمكنك اتخاذ قرارت جديدة أكثر انسجاماً مع نفسك .. وتصبح أهدافك أكثر تحديداً، وتدرك بأنها بالفعل ما تريد، يصبح هناك توازن بين هذا العالم الخارجي من الأشياء التي تقوم بها، والأهداف التي تضعها لنفسك ولحياتك، وبين عالمك الداخلي .. لن يكون هناك هذا الانفصام الهائل الذي يمكن ملاحظته بشكل واضح عند البعض .. وأقصد الانفصام بشكل عام جداً، ذلك الذي نراه في القرارات، والأولويات، والأحكام، والنظرة التي يمتلكها ذلك البعض تجاه الكثير من الأشياء.
 
ربما ستجد ذلك الإنسان الذي طالما كنت تبحث عنه .. ستجد بأنه لطالما كان هناك في الداخل، لكن الكثير من القشور كانت تغطيه!
 

 
يمكنك التعليق الآن على المقالات بحساب الفيسبوك! يعني الموضوع صار أسهل 🙂 .. لذلك أتمنى أن تعلق في الأسفل عن أي فكرة أو نقطة في المقالة يمكن أن نتحدث عنها أكثر .. أو حتى كتابة مقالة أخرى منفصلة تتحدث عنها! لم لا!؟ .. دعمك وأفكارك دائما لها قيمة، ويمكن أن تضيف شيئا إلى كل هذا!
 

تابع TrueEnsan على

أسامة نعمان

أحد مؤسسي هذه العائلة ... أبحث عما يمكنه إضافة شيء ما لتجربتي في هذه الحياة، وأحاول نشرها هنا لنتشاركها معا ... أحب تجربة الأشياء الجديدة وأن أبقي نظرة متفائلة لما حولي

الصورة الكبرى .. أين نحن منها؟ إعرف أكثر الصورة الكبرى .. أين نحن منها؟

تعرف تلك الفيديوهات التي تبدأ بشاشة سوداء، ثم تدريجيا تظهر صورة الكرة الأرضية، ويبدأ صوت هادئ في التحدث عن البشرية -عنا نحن-، عن منجزاتها عبر التاريخ، سيرها في كل الظروف، تخطيها لكل التحديات .. لكن فعليا، هل لنا نحن دور

تصاميم فريد عمارة | عالم آخر من الفن يصف عالمنا الذي نحن فيه إعرف أكثر تصاميم فريد عمارة | عالم آخر من الفن يصف عالمنا الذي نحن فيه

فريد عمارة حسناً .. لماذا الفن ولماذا التعب من أجل الفن؟ وهل حقاً كما يقال أن الفن يمكن أن يكون سلاحا؟؟ إن الفن بكل أشكاله طريقة يعبر فيها الشخص عن تجربته الشخصية، يخبرنا بما قد وجده عندما خاض في متاهات تلك الفكرة أو تلك

شارك في الحوار